top of page

أطفال الشوارع إلى متى؟

  • Jan 1, 2018
  • 4 min read

يبدأ النهار البيروتي من حيث ينهض الأطفال الى الشوارع. يبدأ النهار ، في القيظ وفي البرد، من توّزعهم في الزوايا، بثيابهم الرّثة وهيئاتهم الخاوية وأجفانهم المُطبقة نُعاساً وقهراً.

المصدر: الميادين نت

http://www.almayadeen.net/articles/opinion/848887/أطفال-الشوارع-إلى-متى-

يبدأ النهار البيروتي باكراً، والأطفال يغصّون بطفولتهم وبعبارات التسّول التي يحفظونها عن ظهر قلب، من دون أن يتبنوّها تماماً لأنها خارج عالمهم وإهتماماتهم: " الله يخليكي جوعان " " الله يخليلك حبيبك" – تقول لي الفتاة القاصر بشعرها المصبوغ بالحنّة الشقراء الفاتحة وتتقاطع مع بشرتها البنّية المنهكة ، " الله يخليلك ولادك" تقول المقتعدة بلاط الشارع كما لو شقتها الصغيرة . لهكذا عبارات مُستجدية ، ولخطأ إنساني عملاق لا يلتفت أغلب العابرين. لا يلتفتون الى الإبتهالات بخطوطها السوداء والقوية والواضحة. ليس التسوّل تماماً – وإن كانوا يحتاجونه – ما يريدهُ هؤلاء، بل إظهار جانب من حياتهم قهرهُ العوز، فأرى في عيونهم رغبة الإنتماء الى الحياة، شأن أطفالنا نحن، وأطفال المدينة الذين يكونون ينعمون مازالوا برقادهم الهانىء المطمئن. الشارع بالنسبة للطفل المتسوّل الذي دفعته أقداره إليه ليس " إسفلت" بقدر ما هو بانورامي. أوقات الطفل المتسوّل دائماً ميدانية، واللحظات منفوخة وتمتّد كل الوقت، منذ الفجر حتى آخر الليل. ولأنه وقت شاسع على الأعمار البريئة الصغيرة، فاللحظات والدقائق والساعات مُفعمة بالرجاء كما لو معركة مع الحياة، اللحظات شاسعة كما هو زمن الصراع بين الأيدي الممدودة وخيبات الصّد والنكران. لست في وارد التفصيل بين أولئك اللبنانيين وسواهم من السوريين أو البدو، الأمر أنني أنظر الى عيونهم فحسب، ثمة غور لانهائي مخيف وعبثي في آن يسكن أحداقهم. أن يمّد طفل يده إليّ ، ألمسها فوراً من خلال نافذة السيارة ، فهو يحتاج الى اللمس أولاً، ثم أطبقها على شيء من المال يسّد رمقه ، لهو أمر يوجعني أكثر مما يُرضيني. الناس التي لاتلتفت إليهم وتلعب دور المصلح الاجتماعي، مؤمنة بنفسها وخلودها الى حدّ التحدي، خطيئة الكبرياء والغرور التي هي مدخل الى كل خطيئة. قلوبٌ مُتحجرة كما لو أضرحة بين ضلوعهم، في إشارة فاقعة الى مواتهم الروحي والإنساني. أيضاً لن أخوض في أعداد هؤلاء الأطفال ، ولا من أين أتوا، ولا الحكومات المسؤولة عنهم، ولا من يرمي بهم الى الطرقات بغية الكسب من تسريحهم النهاري والليلي، بما تحتملهُ هذه " المهنة" من تحرشات جنسية وأغراض دنيئة من بعض المرضى في عالم الكبار، ولا من يعرّضهم الى مثل هذا التوهان المستمر، بل يدفعونهم قسراً إليها. أريد فحسب أن أحضن الأطفال بقلب ثقيل، لأنهم أطفال، ولأن حياتهم على هذه الشاكلة الرهيبة فوق طاقتي على التخيّل، ولأن طفولتهم وحدها ( من دون أيّ أعذار أو حقائق) لاتزال تستحق أن تكون غرضنا في إحتضانهم وحمايتهم. أطفال من دون أسماء، وجوه تنطق بنظرات منسحبة، والخشية البادية التي تسحبُهُ الى هذه السيارة المتوقفة وتلك، للتسوّل من راكبيها. خشية في طريقة الكلام – الذي لا يعدو أن يكون همهمة غير مفهومة – وفي السير، وحتى في جلوسه على دكة اسمنتية بجانب إشارات السير. يجلس الطفل على ورك واحد كما لو يعرف بأنه لا يوجد فعلاً في مكانه الطبيعي، ويجلس في هيئة من على أهبّة الفرار. يحدث أن أسأل أحدهم عن إسمه لحظة إختناق السير وتوّقف السيارة لفترة تطول أو تقصر، فيرميني باسم أحسبُهُ لكل المتسولين، وينطقهُ كما لو لم يعند عليه هو نفسهُ، ويرفق الإسم بإبتسامة تبقى على مساحة الشفتين من دون أن تنفلش على باقي الوجه. أحياناً أحاول أن أمنحهم تفاصيل عيش في خيالي، فيجافيني الخيال وأخلص الى أن لاأحد منهم يتوفر على أيّ سند في الحياة. لاأم، لاعائلة، لابيت،لاملجأ. إنهم مجرد أطفال مُعدمين ضحية مماحكاتنا العربية ونذالتنا ، وإلآ ما معنى تشرّدهم هذا؟ غالباً يُصيبني التفكير بشأنهم بشعور خفيف بالغثيان وبالدوار. يحدث ان ينهرني بعض سائقي التاكسي حين يرى الى يدي الممدودة إليهم ببعض المال : " انت هكذا تشجعيهم على التسوّل. هؤلاء تحميهم وتُشغلّهم " مافيات" تحملهم بباصات الى الشوارع صباحاً، وتعود لإصطحابهم ليلاً، وبعضهم له أهل وعائلة تدفعه دفعاً الى التسوّل وجنّي المال." يقولون لي ذلك كما لو يتنصلون من عذابات سعي الأطفال . أقول للسائق أنني لن ارفض يد الطفل الممدودة، وإن عليه الاهتمام بشؤونه، ثم ترتفع نبرتي إستنكاراً لقلة إنسانيته، وغالباً ما ترجّلت من السيارة قرفاً ويأساً . يحاول سائق التاكسي أن ينسف فكرتي عن العطف والرحمة أنىّ كانت الأسباب والخلفيات، لكن مشاعري حرّة وخاصة أيضاً، وما زلت لا أريد أن " أعقلن" مسألة تسوّل الأطفال ولا أريد التفكير في من يقف ورائها. يحاول السائق ألطويل البال أن يشرح لي ما يُعاينهُ في الشوارع، وقد تعوّد على رؤية أكثر لوجستية منّي – على ما يقول - ، لكنني مع ذلك ، وكلما استطرد في الشرح أحسّ بإساءة شخصية الى أمومتي وروحي تحديداً .إنها ملاحظات ركبت رأس السائق، بينما أدعوه الى تجاوزها لأن " الضحية" مجرد طفل. أسمع كلاماً من سائق التاكسي ومن سواه عن تعاطفي بأنه " غير صحيح " ويصف ما يقوله بأنه صحيح ، فيما أراه غير متعاطف أو رؤوم او رؤوف. ما كنتُ لأثير جدلاً مع سائق التاكسي لولا أن تدّخله يعمّى على نحو ما على رؤية طفل جائع لاحول له ولا قوة، ويجعل ما بينه وبين الطفل حجاب من صخر، ويجعل منه درس نظري وأطروحة. يبتعد الصبي الذي سمع مشاجرتنا، السائق وأنا، بجسد هزيل متحيّر بين النحول والمرض. إبتعد بجسد آخر غير الذي أتى به، فكان إبتعادهُ صامتاً كما لو فهم تماماً ذلك النوع من التخلّي اللئيم. الخفّة في خطواته المبتعدة، وفيها أيضاً الصمت والحسرة. كان في ابتعاده يُكلّم الأرض بقدميه، ويرفع رأسه الى السماء مُعاتباً. إبتعد الصبي بإنسياب حذر، وبدموع بقيت في حدقتيه. جلس على الدكة الإسمنتية كمن لا ينتظر أيّ شيء. وجوده غير مرغوب، وطفولته جزءاً من نذالة العالم .

.

 
 
 

Comments


Recent Posts
  • White Facebook Icon

Follow me on

جميع الحقوق محفوظة © 2016 لعناية جابر والكتاب المشاركين ، وفي حال الاقتباس نرجو الإشارة إلى الموقع كمصدر

© 2016 by Samer Y. Saab. Proudly created with Wix.com

bottom of page