top of page

رغبة شرسة لا تحتمل التأجيل

  • May 5, 2017
  • 2 min read

تعلمت ان اتأمل الأشياء، وافخر بها. ولكوني حسنة الطوية، فذلك يحميني تماما. جرأتي علي الانتباه الي جمال العالم في الكتب، وهي احدي صفاتي الأساسية، سمحت لي باقتراف عدة سرقات لكتب تخص احد اصدقائي بالذات، من دون ان تخلق فيّ هذه، وعيا خاصا بخطورتها. سرقتي الأخيرة من مكتبة ضحيتي المفضلة ـ سوف لن يكون ممتنا لي هنا ذكر اسمه ـ تتداعي ذكرياتها في ذهني، كما وان الفعل نفسه بدأ يتضاءل وما بقي منه الآن، نقطة للنقاء الرائع.

سوي ان الأمر يستحق ان يروي! ألم أبرر فعلتي لنفسي يومها بأنه كتاب فاتن لا يعوض! ثــــم انه مفقود تماما من المكتبات، كما ورغبتــــي فيه قديمة وشرسة، ولا تحتمل التأجيل.

حين وقفنا معا حيال مكتبته الفارهة، وقع نظري رأسا علي الكتاب المنشود ولطالما دغدغ احلامي، حتي انني الآن فجأة امام السانحة المرجوة التي طال انتظارها. هل تعيرني هذا الكتاب ـ سألته من دون كثير امل ـ نفض رأسه بعنف، كعلامة رفض نهائي في خوض هذا الامر، حتي شعرت بتعاسة حقيقية وبأن العالم يتقوض من تحتي من يقيـــني باستحالة ان يعطف او يلين.

لقد قيل الكثير عن تأثير الأشياء المغرية في النفوس الضعيفة. بيد ان لا شيء، لا شيء علي الاطلاق اكـــثر تأثيرا واغراء بالنسبة لي، من كتاب جميل لا املكه، ويستقر معززا مكرما في مكتبة احد سواي. كان علي ان انتزع نفسي من وقفتي امام الكتب احدق في الذي اصطفيته وحده، متظاهرة بقبولي صاغرة، فكرة الاستغناء عن مراودته علي كتابه، وبأنني قد يئست اخيرا، وصرفت النظر عن سؤاله ثانية وعن الموضوع برمته.

لكي استحق ثقته ثانية، انتحيت ركنا بعيدا في اقصي الصالون، اثرثر في احوالنا وارشف قهوتي التي حضرها علي عجل، فيما في الحقيقة كنت احرر نفسي تماما من عملية اشغال بالي بالأمور الأخلاقية، وعازمة من دون تردد علي سرقة الكتاب. لم يندهش صديقي من زيارتي القصيرة، وقد عاد من المطبخ حاملا صينية جمع عليها الاكواب الفارغة. غادرته ممتلئة بفعلتي ونزلت الدرج يثقل كتفي الجمال المسروق الذي استللته بخفة من مكتبة صديقي، اتحسسه في محفظتي مبهورة ببطولة رشاقة اصابعي. رغبت ان ترفعني غبطتي عن الارض وتنفجر داخلي، تحيلني الي غبار فضي وتذروني في الهواء لاهطل فوق الارض كلها.

يُمكن لصديقي ان يغضب، يُمكنه في اسوأ الأحوال الكف عن صداقتي، فهذا لن يشفيني من الكتب، ويبقي يرهقني حبها ويُخفف عني ثقل قلبي ونوبات البكاء، ويجنبني كثيرا وطويلا الاستغراق بالعالم المنتبه والمحترم.

مضت فترة لا بأس بها حتي لحظة اعترافي هذه، لم اسمع من صديقي شيئا يعني الكتاب ذاك او يعني ايا من الكتب التي اختفت تدريجيا من مكتبته. ما من اشارة تشي بأنه افتقده او انتبه الي اختفائه. مشكلته، مشكلة صديقي اعني، انه يرفض مبدأ اعارة الكتب، ويستعذب فكرة اختفائها، وهي صداقتنا تتوطد ما زالت وتزدهر.

شكراً لأناملي الرهيفة، ولما رتبته من مكر صغير لاحظي بكتاب فاتن يرافقني اينما حللت. شكرا لسرقتي القاسية، النقية والمتألقة ولا يماثلها الا تألق كتاب يصعب اقتناؤه من دون تدمير العوائق الوهمــــية وترسبات الخوف ونقص الرغبة.

علي دفعات، جعلت أهدي صديقي في مناسبات تعني عيد ميلاده، ومناسبات اختلقها اختلاقا، كتبا قيمة كوفاء لوخزة الشعور بالذنب، حتي انتهيت اخيرا الي معادلة مريحة تقضي بأنني قد وفيته حقه وزيادة، وبأن الاوان قد آن، لاحدي غزواتي الجديدة علي مكتبته العامرة.

ثمة سحر كثيف يشدك حيال اشياء بعينها. سحر الكتب يقود حياتي، مع مغريات اخـــــري لا مجال هنا لذكرها. أعني ان هناك لحظات شهوانية، اللحظات نفسها التي اريد ان اعيشها.

 
 
 

Comments


Recent Posts
  • White Facebook Icon

Follow me on

جميع الحقوق محفوظة © 2016 لعناية جابر والكتاب المشاركين ، وفي حال الاقتباس نرجو الإشارة إلى الموقع كمصدر

© 2016 by Samer Y. Saab. Proudly created with Wix.com

bottom of page